توضح الباحثة سانام فاكيل في تحليلها أن إيران، بعد 47 عامًا على الثورة، تواجه لحظة غير مسبوقة يتقاطع فيها تآكل الشرعية الداخلية مع تهديد خارجي مباشر يضع بقاء النظام نفسه موضع شك. وتجادل بأن الاستراتيجية التي اعتمدتها طهران طويلًا – إظهار القوة خارج الحدود، وقمع الداخل، وصناعة أزمات دائمة لتبرير الفشل – لم تعد كافية في مواجهة واقع جديد أكثر قسوة.
تشير الجارديان إلى أن حشد الولايات المتحدة قوة عسكرية كبيرة في الشرق الأوسط، تضم حاملة الطائرات أبراهام لينكولن ومدمرات وأنظمة دفاع جوي، يعكس انتقال واشنطن من سياسة الاحتواء إلى محاولة فرض حسم نهائي للصراع مع إيران، عبر قبول تسوية بشروط أمريكية أو مواجهة ضربات تستهدف النظام ذاته.
أزمة شرعية داخلية غير مسبوقة
ترى فاكيل أن الداخل الإيراني يعيش حالة إنهاك عميقة. سنوات من التدهور الاقتصادي، والفساد، وانهيار العملة، والهجرة الواسعة، فرّغت العقد الاجتماعي من مضمونه. منذ احتجاجات 2017، مرورًا بانتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية» في 2022، وصولًا إلى موجات الغضب الأخيرة، لم يعد الخوف كابحًا للمجتمع. ومع تصاعد كلفة الاحتجاج، زادت حدّة المواجهة؛ إذ شهد يناير حملة قمع وُصفت بأنها الأشد في تاريخ النظام، خلّفت آلاف القتلى، فيما لا تزال أرقام أخرى قيد التحقيق. هذا التآكل المتسارع للشرعية جعل السلطة أقل قدرة على امتصاص الصدمات.
تراجع الردع وتآكل النفوذ الإقليمي
خارجيًا، فقدت إيران كثيرًا من توازنها. منذ السابع من أكتوبر، كثّفت إسرائيل عملياتها ضد ما تُسميه «محور المقاومة»، عبر ضربات جوية واغتيالات وعمليات سيبرانية، انتهت بمواجهة مفتوحة استمرت 12 يومًا. هذا التحول من حرب ظل إلى صدام علني قضم قدرة طهران على الردع ودفعها نحو مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
كما أن شبكة الميليشيات التي بنتها إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن، والتي صُممت لرفع كلفة أي هجوم، تحولت إلى نقاط انكشاف متعددة. أما سياسة حافة الهاوية النووية، التي وفّرت نفوذًا تفاوضيًا سابقًا، فأضحت مبررًا رئيسيًا للضغط الدولي. وإيديولوجيا الثورة، التي حفّزت التعبئة يومًا، باتت مصدر عزلة في إقليم سئم صراعات العقيدة.
ثلاثة سيناريوهات.. ولا مخرج آمن
تطرح فاكيل ثلاثة مسارات محتملة، جميعها محفوفة بالمخاطر:
تسوية قسرية: تحت ضغط هائل، تقبل إيران صفقة تُقيّد برنامجها النووي وتفتح الباب لتفتيش مكثف، وتفرض قيودًا على الصواريخ والدور الإقليمي، مقابل تخفيف العقوبات وربما استثمارات لاحقة. قد تُجنّب هذه التسوية حربًا فورية، لكنها ستُقرأ داخليًا كتنازل اضطراري لإنقاذ النظام، مع كلفة سياسية عالية.
حرب مُدارة: تنفّذ الولايات المتحدة ضربات منسقة تستهدف القيادة والبنية الصاروخية والدفاعات الجوية وبقايا البرنامج النووي، بهدف شلّ النظام. يرافق ذلك تصعيد إيراني إقليمي محتمل ضد قواعد أمريكية وممرات بحرية ومدن إسرائيلية، وربما تحريك وكلاء. النتيجة المرجّحة عدم الاستقرار طويل الأمد، وتفكك نخبوي، وصراع عنيف على السلطة.
انهيار غير مضبوط: يتشقق النظام تحت ضغط الخارج وغضب الداخل، فتظهر فجوة سلطة لا تقود إلى انتقال ديمقراطي، بل إلى فوضى، وصراع فصائلي أمني، وتدخلات إقليمية، بما يستدعي نماذج ليبيا وسوريا، مع مخاطر تفوق بقاء النظام القائم.
لحظة خطرة بلا مكابح دبلوماسية
تشدد فاكيل على أن كل سيناريو يحمل أخطارًا جسيمة على الإيرانيين. لا الاستسلام المشروط، ولا الحرب المحدودة، ولا الانهيار، تَعِد باستقرار قريب أو انتقال ديمقراطي. والأسوأ أن أطراف الصراع – الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران – عالقة في منطق التصعيد.
وتضيف أن مكابح الدبلوماسية تعطّلت: أوروبا تراجعت قدرتها على الوساطة، روسيا منشغلة بحرب أوكرانيا، الصين حذرة وغير راغبة في القيادة، فيما تحاول دول الإقليم التدخل لإدارة وساطات اللحظة الأخيرة، مع الاستعداد لتداعيات التصعيد.
بالنسبة لإيران، ولمحيطها الإقليمي، لم يعد السؤال ما إذا كان بالإمكان نزع فتيل الأزمة، بل كم سيكون حجم الضرر قبل أن تبلغ نهايتها. إن لحظة التقاء الضعف الداخلي مع الضغط الخارجي تفتح مسارًا بالغ الخطورة، حيث تتقلص الخيارات وتتعاظم الكلفة، فيما يبقى مستقبل الاستقرار معلقًا على قرارات قد تُتخذ تحت وطأة السلاح والشارع معًا.
https://www.theguardian.com/commentisfree/2026/feb/03/iran-donald-trump-us-middle-east-regime-collapse

